- .. وَ سقطَت الشّمسُ !

.

.

.

.

الأشيـاءُ دائمًا تعودُ قافلَةً إلى مخدعها الأوّل, تحاوِلُ أن تهرُبَ من زحمةِ الطّرق المكتظّة بالسرابِ المتهندِم ضياعًـا, ليغوِي القلبَ الكسيرَ بأنّهُ شيءٌ جديرٌ بالاتّبـاع.

- ” يارا ” ما زلتِ هنـا؟

أيقظَـت الصوتُ العجوزُ أفكـارَها من التوسّع, وأرسلتهـا بشكلٍ منتظمٍ بئيسٍ إلى الواقِـع الذي تحاوِلُ أن تهرُب منهُ إلى وطنٍ لا تتراكَمُ حولَه أحاديثُ الصّبـاحِ الأولَـى التي تنتهِي بِ شجارٍ عظيمٍ, يُقِلُ الخطواتِ العائِدَة إلى الوطَنِ الأكبَـر, يقلّ فرصَ الحيـاةِ على مأدبَةٍ مليئة بالأحاديثِ المبتذلَة !


- نعـم, بقِيَت بعضُ الأماكِن تحتاجُ إلى تنظيفٍ, …

- حسنًـا لا تتأخّرِي, سأرجِعُ إلى بعضِ أوراقِي, احرصِي على أن تخرجِي قبل السّابعَـة, زوجِي سيعودُ حينها !

أومأت برأسهـا تقولُ سمعًـا وطاعَةً, ثمّ عادَت تمسح ما اتّسخَ من الأرضِ بماءِ عيونهـا, ثمّ تُمرُّ فوقَه يدهـا, لتعلَق الأرضُ بيدهـا أوّلاً, بدتِ الرؤيَةُ ضبابيَّـةً حولهـا, من فرطِ الدّموعِ التِي كانـت تختزِنُهـا في مقلتهـا التي تجمّعَ حولهـا السوادُ, وكأنّه يريدُ لهـا أن تستمرّ برؤيّة الحزنِ فيهـا كلّمَـا أطلّت المرآة فجأةً عليهَـا, بدأت تحدّث نفسهـا كثيرًا, تكتُب ألفَ قصيدَةٍ في حلقهـا لتموتَ ! ولا تتأسّفَ عليهَـا, تحاوِلُ أن تحدّث نفسهَـا لأنّهـا تريدُ أن تبكِي كثيرًا ! لكنّ الوجعَ المتراكِم على عتبـاتِ خدّهـا يمنَعُ الدّمعَ من السقوطِ, وكيفَ يسقط و.. لاَ وطنٌ يمسحهُ عنها !

انتقلَت من مكانِهـا لآخرٍ, خشيَة أن تحلّ السابعَة وهي ما زالَت في مكانِهـا الذِي تحبّ أن تنظّفَهُ دائِمًـا, تخلقُ لهـا مأوًى من دموعِهـا, وتشيّد عتباتِه من كلمـاتِهـا المهترِئة على فمهـا الذي ما زالَ مُطبقًـا عنِ الحديثِ, لثلاثِ سنواتٍ !

أخذَت تجرّ خطاهـا على الأرض الخشبيّة, تصدرُ صوتًـا متعمّدًا, يُوحِي أنّهـا تُنهِكُ الأرضَ بمرورِهـا الثقيل, يبرّر هذا عظَيمِ الشّوقِ الثقيلِ في داخلهَـا لأن تتكرّر الحيـاةُ كما كانَت .. أن يعودَ القمرُ يطلّ على وجهِ الأرضِ كلّ يومٍ, أن تستلقِي على ظهرهـا في الحديقَة الخلفيّة وتهمِسُ في أذنِه النّائِمة ” هيه, نمت؟ ” ثمّ يمدّ همهمَةً طويلَةً تبتسِمُ إثرًا لهَـا, تقولُ هامسَةً ” آسفَـة, صحّيتَك ” لأن يعودَ الصبحُ يحمِلُ وجهَهُ الأطهـر في كفٍّ الندى, يحمِلُ ابتسامَته السّاحـرَة حينمَـا تمسَحُ عن وجههـا ضجر القيـامِ المبكّر, للذهـاب إلى منزِل هذه السيّدَة العجوز, التِي لا تكفّ تمطِرُ زوجَهـا بطلبـاتِها وَ ” أحبّك “, إمًّـا تقدّمَ بهـا القيام تبصِرُ هذه العجوز الكهلَة, تودّعُ زوجهـا في كلّ صباحٍ حينمـا يذهَـبُ إلى عملِه ! حينمـا هيَ تهربُ من وطنها تريدُه أن ينـامَ, لأنّهـا أزعجته ليلَة الأمس, وغضبَ حينَ أخبرتهُ أنّ مالِك البيتِ عادَ مبكّرًا إلى المنزِل, واصطدمت عيناهما ببعضها البعض, … تريدُ لكلّ هذه الأنغـامِ أن تعودَ قافلَةً إلى القلبِ الذِي أنهكَه طُولُ الوقوفِ على بـابِ الشّرفَـة, خيطٌ من الذكرَى يسحبهـا إلى الحيـاةِ, وخيطٌ من الفقدِ يجرّهـا إلى الهاويَة .. تريدُ للشمسِ أن تسقُطَ في شراكِ الحضورِ, لتبصِر الدربَ الذي سارَهُ فتجرِي وراءه, لتتمتِمَ في أذنِه أن يأخذهـا معهُ, فما العيشُ يطيبُ, ولا السّاعَـة الواحدَة عادَ لهـا معنًى ترقبُ حضورهـا لأجله, ولا الأوراقُ البيضاء المزدحمَة على وسادَة أحلامِنـا, لا تريدُ أن تكبُر بهذه السّرعَـة, أن تتساقَط عنهـا أنوثتها سريعًـا, أن يمتلِئَ وجهها بالضّيقِ, وهي التي كانَت تتباهَى بكَ أمامَ نفسهَـا !

أسرعَـت من حركَةِ يدهـا إذ سمعت خطواتٍ على عتبَةِ البـابِ تهمّ بالدخول, ثمّ ما لبثَت أن بطّأت حركَتهـا إذ سمعَت صوتَ الطفل الأشقَـى في هذه العائِلة يصرخ مناديًـا إيّـاها, لم ترعهِ سمعها, أبدًا ! حتّى جاءَ متقدّمًـا نحوهَـا وفي يدهِ جرحٌ ينزِفُ دمًـا, وفيه عينيه خوفٌ يشبِهُ الأطفـالَ كثيرًا ! همسَ لهـا ” يارا, أرجوكِ لا أريدُ لأمّي أن تراهُ .. ” قامَت من مكانِهـا سريعًـا, توجّهـت نحوَ مكانٍ تعرفُ أنّه يحوِي كثيرًا من الإسعافِ لهذا الموقِف, ما إن همّت عائِدَة حتّى تراءَى لهـا والدُ هذا الأشقَـى يطبّبُ جرحَه, وفي صوتِه غضبٌ اعتادَهُ هذا الصّغيـر ..

ارتدَت معطفهـا خارجَةً من البابِ الخلفيّ, جوٌ ماطِرٌ احتمَت عنه بمظلّتهـا التِي بقيَـت لها منهُ, لا ترجُو أن يُطفِئ بعضهـا الملتهِب, فالمطرُ يترُكَ أثرًا حزينًـا على وجهها !

وَ … مضَـت ,


- محمّـد ( وامق , ).

Share and Enjoy:
  • Facebook

40 من الآثـار لـ “- .. وَ سقطَت الشّمسُ !”

  1. بوح ! بساتيني ~ قال:

    ،،

    جميلة جداً .. يامحمد .. :r3:

    تصوير الموقف رائع وخيالي .. :j2:

    دمت مبدع ،،

    كن بخير حبيبي .. :$:

    محمد ()

    ..

  2. محمد المهنا قال:

    أهنيك أخوي محمد على هذه الكتابة سرد رائع وجميل

    كسرت خاطري هالقصة لكنها !!
    تبقى شاهداً على ان هناك قالباً تشكل الإبداع فيه

    إنه وامق

    أ. محمد
    دمت والإبداع خادمك ودمت واللغة أمتك.

  3. الحادي قال:

    يالله

    ماشاء الله استاذي محمد

    كلمات درر لاعدمناها منك

    ودي وتقديري

    :t2:

  4. نورة قال:

    أسلتَ المدامع ، ونقّبتَ عن الحزن المد/أفون !

    هل من الممكن أن تجتزئ الحكاية ، ويكون لها اكمالاً قريبًا ؟

  5. بوركـَ المدآد ,

    ” يــارا ” أريدأن أراها في قصة أخرى فقد أحببتها , ~

    شكراً أ. محمد لقد أمتعتنا في هذا الصبآح ,

    موفقْ لكل خيرْ ,

    = )

  6. أريج قال:

    ياللحزن القاسي في هذه القصه … !!!

    طهر لقلب يارا ومن رسم تفاصيليها .

  7. Dantil قال:

    :

    تفاصيلكَ دقيقة وجميلة
    أحببتُ سردكَ كثيراً .
    :f1:

  8. حزينة بعمق ..

    رغم أنّي لم أستوعبها لأوّل مرّة , أعدت قراءتها ففهمتها أخيراً ..

  9. =( , هنا للحرف لذّةٌ / متعتةٌ أخرى
    نقرأ و نُعيد القراءه و نُعيدها بلا كلل :f1:

  10. لا جمال يُضَاهِي ما هُنا “)

  11. مصيره يذكر ويشتاق قال:

    ابــــــــدااااااااع (: كـــلمه قليله في حقــكم …

  12. سُهى قال:

    ؛
    حينَ يراود الأسى عن نفسه ..
    يبقى الحَنين مدينة تشهق بذكرياتها .. ؛
    وبلسم ننتظره حين غِرّه ..

    للهِ دَرُّك أيها الوامق ..
    تكتب بـ مِدادٍ مِن زُخرُف ..

  13. دعني أقول سبحان من هباك القلم ..” :f1: () لاتبخس حق القراء في فأمتعهم فهم بالإنتظآر()

  14. wameq قال:

    بوح بساتيني, أهلاً بالصديقِ الذي يبتعِدُ. :r3:
    الأجمل مرورُكَ يا عزيزي, شكرًا لكَ كثيرًا. :f1:

  15. wameq قال:

    محمّد المهنَّـا, أنتَ تعلمُ أنّي أسعدُ بكَ كثيرًا يا سيّدي. :VS:
    ثناؤُكَ على القصّة, وعلى كاتبهـا شرفٌ لي والله.
    شكرًا لحسنِ مرورِك العبق يا جميلَ الحضورِ. :f1:

  16. wameq قال:

    الحادِي, أهلاً أهلاً.
    أنـارَ المكانُ بكَ يا عزيزي,
    أستاذك؟ :s5:
    كيفَ الحال بس .. أرهمله أقول, :q9:
    حيّـاك عزيزي. :r3:

  17. wameq قال:

    نورَة, أهلاً بكِ,
    لا أجرَى الله لكِ دمعًـا يا كريمَة. :f1:
    مممم, أنتِ تستبقينَ الأحداثَ, ربَّمـا يكونُ لهـا يا نديّة.
    سرّني مرورُكِ العذب, شكرًا لكِ. :$$:

  18. wameq قال:

    د نسيم الصبـاح, أهلاً وسهـلاً.
    لعلّهـا تطلُّ من بابٍ آخرٍ هذه ال ” يارا “.
    أسعدني مرورِك الطيّب والله, شكرًا لكِ إذ هطلتِ, وأدامَ الله صباحاتِك جميلَة.

    :f1:

  19. wameq قال:

    أريج, مرحبًـا منمّقَـة.
    وَ وردٌ وشطرُ الشكرِ بل جلّهُ لحضورِك ال أدخل السعد في قلبي.
    شكرًا للحضورِ المبهِج. :f1:

  20. wameq قال:

    دانتيل, أهلاً تليقُ.
    وأحببتُ مرورَكِ كثيرًا, شرفٌ لي أن حزتُ عليهِ.
    شكرًا لكِ كثيرًا. :f1:

  21. wameq قال:

    مجرّد نقَـط, أهلاً كبيرَة, عظَم حبّي لحضورِك.
    قراءَتك لهـا أخرَى فخرٌ لي يا سيدّي. :r3:
    شكرًا للمطرِ جئتَ بهِ. :f1:

  22. wameq قال:

    العازفَـة, مرحبًـا.
    مرورُكِ الأجملُ كانَ منهـا, شكرًا. :f1:

  23. wameq قال:

    توتَـا أهلاً وسهـلاً بكِ.
    شرفٌ لي أن تقرؤوهـا أكثَر من مرّة, والله.
    شكرًا لكلّ هذا الحضورِ الوارف. :f1:

    + سلامة مدوّنتك .. ؟ :s2:

  24. wameq قال:

    ماجد الصالح, مرحبًـا.
    الجميل هنـا طهرُ روحِك التي ملأت المكان أنسًـا.
    شكرًا لصيّب هطولِك. :r3: :f1:

  25. wameq قال:

    فاطمَة, أهلاً منمّقَـة. :f1:
    يُضاهِي الجمال, جمالُ حضورِك الوارِف.
    شكرًا لأنّكِ هنـا ()

  26. wameq قال:

    مصيره يذكر ويشتاق, أهلاً وسهـلاً. :r3:
    سرّني قولُكم كثيرًا, شكرًا جزيلاً لكم. :f1: :$:

  27. wameq قال:

    سُهَـى, أهلاً كثيرًا يا كريمَة. :f1:
    المكانُ ازدانَ بحضورِك العبِق.
    شكرًا لكِ إذ هطلتِ نورًا, وسبحان من جعل مرورَك يبعثُ النّورَ ربيعًـا في كلّ مكانٍ.

    :f1:

  28. wameq قال:

    حكايَة طموح, أهلاً وسهـلاً تليقُ بحضورِك الجميل.
    أخجلنِي قولُكِ -صدقًـا-, ويسعدني أن ينتظِر أحدٌ حرفِي المتواضِع. :$:
    شكرًا للأنسِ أدلفته خاطري. :f1:

  29. لاسلوبك جمال سلس يتابع القارئ حتى يوصله الى نقطة النهاية ..

    اتقنت القلم فهنيئا له ..

  30. wameq قال:

    حنـان أحمـد, أهلاً وسهـلاً بالكريمَـة.
    شهادَتُكِ للأسلوبِ -رغمَ تواضعه- فخرٌ لي يا طاهرَة.
    شكرًا لكِ, وهنيئًـا لي تواجدكِ هنـا. : )

  31. حرف سلسبيلي ..

    أجد لذة هطوله بين تلك الزوآيا الحزينـة ..

    نشتـآق لإرتوآء أكثر ..

    فجد علينـآ :f1:


    …: بُهوآ وأسمى أتمناه لك :…

  32. دفء قال:

    .
    .

    حمداً لربـي أن حظيت بعنوان مدونتك يا وامق ~
    ألف ألف شكر ٍ لا تفـي
    جاوزتم الإبداع حتى كدت أن أجزم أن اللغة العربية تحتوي أكثر من 28 حرفاً
    نقلتمونا بينها بـ انسياب لا يستطيع فعله غيركم

    صدقاً
    أحس بـ انتقالـي من الواقع لـ أحلق النجوم وأطوف السمآوات
    عندما أترنم بعذب أحرفكمـ

    أنا أترقب كل هطولك

    ~ } أُختٌ لك :f1:

  33. لأن اسمي وجِدَ هُنا :l2:

    أحببتُ النص :l1: :RL:

    شكرًا لك :f1:

  34. wameq قال:

    آفـاق بوح, مرحبًـا بكِ كثيرًا.
    إطراؤُكِ على هذا الحرفِ المتواضِع, مفخرَةٌ لِي يا كريمَـة.
    شكرًا لكِ يا طاهرَة. (: :f1:

  35. wameq قال:

    دفء, مرحبًـا كثيرًا,
    يخجلنِي والله قولُكِ كثيرًا, حتّى أنّي لا أفلِحُ في صياغَةِ ردٍّ عليهِ.
    ما عساي أن أقول؟ :”
    شكرًا لعلّ الشكرَ يفِي, ويسعدنِي -كثيرًا- هطولُكِ. :f1:

  36. wameq قال:

    يـارا, مرحبتين ..
    طيّب لو الاسم عمشَـا .. تحبّين النص؟ :q9:
    حيّيتِ كثيرًا .. وأهلاً بكِ. :f1:

  37. Candles14 قال:

    قصة يلفهآ الحزن قليلاً ..!! :o9:
    شكراً بحجم السمآء على جمآل هذه الحروف :l2:
    ننتظر جديدك بشوق ..
    دمت كمآ تحب ()

  38. Online Article…

    [...]very few websites that happen to be detailed below, from our point of view are undoubtedly well worth checking out[...]…

اترُك أثرًا ..

:ذذ: :w7: :u2: :u1: :t2: :s5: :s2: :r3: :q9: :q1: :p2: :o9: :o4: :o1: :no: :l2: :l1: :j2: :j1: :g1: :f2: :f1: :VS: :RL: :D :$: :$$: ()
أمسِك شيئًا !